العقلية الريادية لرائد الأعمال

 العقلية الريادية لرائد الأعمال

تأخذ ريادة الأعمال أشكالًا عديدة (ينظر الجدول 1.1 في المقال الأول من هذه السلسلة باسم «ريادة الأعمال اليوم: ما معنى رائد أعمال؟»)، لكنّ روّاد الأعمال يتشابهون في سمة رئيسة مشتركة: رجل الأعمال هو الشخص الذي يحدّد الفرصة، ويقرّر استغلالها، فمعظم مشاريع الأعمال هي نسخ مبتكرة لفكرة موجودة مسبقًا، ومنتشرة عبر المجتمعات، والمناطق، والبلدان، مثل: إنشاء مطعم، أو فتح متجر تجزئة؛ هذه المشاريع التجارية، في بعض النواحي، نهج أقلّ مخاطرة، ولكنّها مع ذلك هي ريادة أعمال بطريقة، أو بأخرى.

واربي باركر على سبيل المثال؛ شركة ربحيّة ناشئة، أسّسها أربعة من طلّاب الدراسات العليا في وارتون، خلخلت أعمال شركة رئيسيّة (Luxottica) من خلال توفير خطّ منتجات -عبر الإنترنت بادئ الأمر- أكثر ملاءمة، وأقلّ تكلفة، وذا جودةٍ لشريحة كبيرة من المستهلكين، وبهذا المعنى، فإنّ ابتكارهم تمحور حول إنشاء شيء جديد، فريد، ومختلف عن الاتجاه السّائد، وربّما أنضج في بعض النواحي، من صناعة راسخة؛ ولهذا، فقد اجتذبوا قطاعًا موجودًا بالفعل.

ومن جهة أخرى، فقد قدّمت ماكدونالدز -المملوكة بنسبة 90% للمستفيدين من حقّ الامتياز- قائمة: (إفطار طول اليوم) في عام 2017، والّتي حقّقت نجاحًا كبيرً،حيث استهدفت شريحة -أغلبها من الشّباب- واستعادت مستهلكين آخرين كانوا قد اتّجهوا إلى خيارات أخرى.

باختصار، يبدأ العديد من روّاد الأعمال مشروعًا جديدًا، عن طريق حلّ مشكلة كبيرة، مقدّمين بعض القيمة التي يقدّرها الآخرون، إذا كان المنتج أو الخدمة متاحة لهم. في المقابل، يبدأ رواد الأعمال الآخرون مشروعًا من خلال تقديم “مصيدة فئران أفضل” من حيث المنتج، أو الخدمة، أو كليهما.

من المهمّ، على أيّ حال، أن يفهم رائد الأعمال السّوق، والشّريحة المستهدفة فهمًا جيّدًا، ويلبّي حاجة لم تلبَّ من قبل (وهو ما يعرف بـنقطة الألم)، ويطوّر، ويقدّم حلًّا قابلًا، وممكنا للتّطبيق، وفي هذا الجانب، يقوم العديد من روّاد الأعمال بتخفيف المخاطر قبل إطلاق المشروع.

إن البقاء على وعي بالمحيط، والتحدّيات من حولك، يمكن أن يكشف كثيرًا من فرص ريادة الأعمال، فقد نجد في حياتنا اليومية -باستمرار- مجالات يمكن استغلالها؛ فعلى سبيل المثال: قد تسأل: “ماذا سيحصل لو لم يكن علينا التنقّل للعمل؟” أو: “ماذا سيحصل لو لم يكن علينا امتلاك سيّارة، ولكنّ بإمكاننا استخدام واحدة؟” أو: “ماذا سيحصل لو استطعنا الاسترخاء أثناء الذهاب إلى العمل بدلاً من التوتر بسبب الزّحام؟ “

لقد ألهم هذا النّوع من الأسئلة مشاريع ريادية كخدمات مشاركة السيّارات، مثل: أوبر، وكريم، ويسير، وليفت، وصناعة المركبات ذاتية القيادة، وخدمة توفير الدرّاجات لوقت قصير، ضمن برنامج مشاركة الدرّاجات المجاني في بيلا بولاية آيوا الأمريكية. (الشّكل 10.1)

IOWA.jpg

هذه الأفكار نتجت عن وجود عقلية ريادية، وهي الوعي، والتّركيز على تحديد (فرصة) من خلال حلّ مشكلة، والرّغبة في المضي قدمًا لتطوير تلك الأفكار، فالعقليّة الرّياديّة هي العدسة الّتي يرى من خلالها رائد الأعمال العالَمَ، حيث يقاس كلّ شيء بميزان ريادة الأعمال، وللعمل أهمية خاصة عندما يتّخذ رائد الأعمال قرارًا، وفي أغلب الحالات، يكون الإجراء الذي يقوم به صاحب المشروع في صالح العمل أولًا، كما يساعد ذلك القرار صاحب المشروع على الاستعداد لتبني طريقة التّفكير المناسبة.

غالبًا ما يكون رجال الأعمال مؤهّلين للعمل على تحقيق أهدافهم، وغاياتهم، فهم متقدّمو التّفكير، دائمو التّخطيط للمستقبل، وتجدهم دومًا يعتمدون تحليلات مثل: (ماذا لو؟) فكثيرًا ما يسألون أنفسهم: (ماذا لو فعلنا كذا؟) و(ماذا لو فعل منافسٌ كذا؟) ويأخذون في الحسبان الآثار المترتبة عن ذلك على العمل.

معظم الناس يتبعون العادات، والتقاليد، دون إدراك لمحيطهم، أو ملاحظة لفرص ريادة الأعمال الّتي تلوح لهم، وبما أنّه بإمكان أيّ شخص تغيير وجهة نظره من متابعة أنماط راسخة، إلى ملاحظة الفرص من حوله؛ فإنّه يمكن لأيّ شخص أن يصبح رائد أعمال، فلا يوجد قيود على العمر، أو الجنس، أو العرق، أو بلد المنشأ، أو الدّخل الشخصي؛ لتصبح رائد أعمال، عليك إدراك أنّ الفرصة موجودة، وعليك -أيضًا- المسارعة إلى اقتناصها، ولكن عليك الانتباه إلى أنّ تطبيق عقليّة ريادة الأعمال، يختلف من منطقة إلى أخرى من مناطق العالم، فعلى سبيل المثال: تكون رابطة العلاقة الأسريّة أقوى في العالم الإسلامي، والعربيّ، وفي بعض الثّقافات الآسيوية، لذا يكون اتّخاذ القرار الجماعي أكثر شيوعًا في هذه المناطق، بل ويُعدُّ سمة حميدة؛ لهذا يميل رائد الأعمال في هذه المناطق -غالبًا- إلى طلب النّصيحة من أفراد الأسرة، أو شركاء العمل الآخرين، قبل اتّخاذ أيّ قرار، أو إجراءٍ، يتعلق بالمشروع.

تحظى الفردانية بقيمة أعلى في المجتمعات الغربية؛ في أوروبا، والولايات المتّحدة الأمريكيّة، لهذا يقرّر العديد من رواد الأعمال الغربيّين تنفيذ خطّة العمل دون استشارة الآخرين.

الروح، والشغف الرياديان

تسمح روح المبادرة لروّاد الأعمال بأن يستخدموا طريقة تفكير تسمح لهم يوميًّا بالتّغلّب على العقبات، ومواجهة التّحديّات مع عقليّة: “أستطيع فعلها”.

ماذا يعني أن يكون لديك روح الرّيادة؟ في ظلّ هذه المناقشة، قد يعني ذلك أن تكون شغوفًا، وهادفًا، وإيجابيًّا، وجريئًا، وفضوليًّا، و مثابرًا.

لدى مؤسسي Airbnb شغفٌ لدعم الحقوق الفردية في تأجير المساحة غير المستخدمة. لماذا يجب أن يسود نموذج الفنادق؟ لماذا لا يمكن لمالك المنزل تأجير مساحته غير المستخدمة بحريّة، وتحويلها مشروعًا يدر مدخولًا؟ نجحت Airbnb في خلق اختيارات أكثر مرونة، وبأسعار معقولة في مجال اقتصاد “المشاركة” سريع النمو، وعلى الرغم من أنّ روح ريادة الأعمال تتعلق جزئيًا بالنّضال من أجل الحقوق، والحريات الفردية؛ يجب أن يكون هناك توازن بين الحريّة الاقتصاديّة، وحماية المستهلك.

تتضمّن روح ريادة الأعمال شغفًا بتقديم فكرة قيّمة، جديرة بالاهتمام، ورغبة في التفكير خارج الأنماط، والعمليات الراسخة، مع مراعاة احترام القوانين، واللّوائح المحلية، في السّعي لتغيير تلك الأنماط المعمول بها، أو على الأقل تقديم بدائل لها.

الشّغف عنصر حاسم في عمليّة ريادة الأعمال، فبدونه، يمكن أن يخسر صاحب المشروع الدّافع لإدارة الأعمال، ويمكن للّشغف أن يحافظ على استمرارية رائد الأعمال، بينما يرسل العالم الخارجي رسائل سلبيّةً، أو ردود أفعال أقل من الإيجابية. على سبيل المثال: إذا كنت شغوفًا حقًا بافتتاح مأوى للمتشرّدين، بسبب اهتمامك بالنواحي الإنسانيّة، ستجد طريقة ما لتحقيق ذلك، فدافعك الدّاخلي لمساعدة المحتاجين، سيدفعك لفعل كلّ ما يلزم؛ كي تجعل تلك الفكرة (المأوى) حقيقة. وينطبق الشيء نفسه على أنواع أخرى من الشركات الناشئة، والمالكين الذين لديهم شغف مماثل.

ومع ذلك، يجب دعم ذلك الشّغف برؤية، ورسالة رائد الأعمال، فالشّغف من أجل الشّغف وحده، لن يكون كافيًا، بيان مهمّة واضح، يفصّل سبب بدء العمل، وأهداف رائد الأعمال، لتحقيق تلك المهمّة، سيوجّه شغف رائد الأعمال، ويبقي العمل على المسار الصحيح.

يمكن للشّغف، والرؤية، والمهمّة، أن يعزّز بعضها بعضًا، لتبقي رائد الأعمال على المسار الصحيح، في خطوات العمل اللاّحقة.

قد تبدو بعض الأفكار صغيرةً، أو غيرَ ذاتِ أهميةٍ، ولكنْ، من المهمّ في مجال ريادة الأعمال، إدراك أنّه لكل شركة ناشئة جديدة، قد يتفطّن شخص آخر إلى فكرة ينبثق منها توسيع نطاق الفكرة الأصلية، بإيجاد فرص لتحديد احتمالات جديدة لا حصر لها، ويمكنك في هذا السياق، مراجعة عملك في إنشاء الأفكار المنبثقة عن مشاريع دارياني وآدلر، ويمكنك -كذلك- التّفكير في التقنية المستخدمة في الزّراعة.

يتناسب إنشاء الأفكار المنبثقة جيّدًا، مع مناقشتنا للتّفكير المتباين، والعصف الذهني، فمن خلال هذه العمليات، يمكننا اكتشاف استخدامات جديدة للتقنية الحالية، تماما كما فعلت شركة Ring باستخدام تقنية الفيديو، لإضافة الأمان من خلال السماح للعملاء برؤية من على الباب بدون فتحه.

عقلية ريادية في تخصصك، أو مجال عملك

ما هي التحدّيات الّتي تخلق الحيرة ضمن مجال اهتمامك، أو مجال دراستك؟ وكيف يمكن تحويلها إلى فرص؟ ناقشنا في وقت سابق من هذا الفصل تطبيق Evernote من إنتاج شركةٍ تركّزُ على توسيع الذّاكرة، من خلال تخزين، وتنظيم المعلومات. لنلقِ نظرةً على بعض الأمثلة الأخرى لمساعي ريادة الأعمال في صناعات محددة، لمساعدتك في تخطيط مشروعك الخاص في مجال اختصاصك.

في الصناعة الزراعية، تبدو الحشرات، والأعشاب الضارة، والظروف الجوية، وتحديات حصاد المحاصيل، كلّها فرصًا جاهزة لنشاطات رياديّة، ولقد أثّر الانتقال إلى المنتجات العضوية -أيضًا- على هذه الصناعة، من منظور ريادة الأعمال.

ما هي المنتجات التي يمكن أن تبتكرها لدعم الزراعة العضوية، وحل مشكلات الحشرات التي تتلف المحاصيل، أو تدمّرها؟ كانت الطريقة القديمة هي استخدام البخّاخات الكيميائية لقتل الحشرات، ولكنّ الطلب المتزايد على الأطعمة العضوية اليوم، وزيادة الوعي، بتأثير البخّاخات الكيميائية على بيئتنا -قد غيّر هذا التوجه، حيث تجمع فكرتنا الجديدة لحلّ هذه المشكلة بين المكنسة الكهربائية، والمنتج الزراعي.

تعدّ مكنسة الحشرات مثالًا على كيفية استخدام التفكير المتباين، للمساهمة في حلّ مشكلة إزالة الحشرات من المحاصيل، دون استعمال المواد الكيميائية، ربّما لم تلقَ هذه الفكرة رواجًا في النّشاط الجماعي للخروج بأفكار متباينة، ومع ذلك، يبدو أنّها تقدّمت كحلّ عملي في مرحلة الحضانة.

غالبًا ما تشتمل عقلية ريادة الأعمال على أفكار مستقبلية تهزّ العمليات العادية، والتقليدية، التي تستند إلى خبرة السّنين؛ كالعمليّات، والمنتجات المجرّبة، والمختبرة، والتي لها تاريخ مثبت من النجاح، ولكنها تمثل عقبة هائلة أمام الأفكار الجديدة، فقد تبدو فكرة جديدة مستحيلة أو غريبة، وربما تمثل إحراجًا للممارسات الثابتة، التي يمكن التنبؤ بها في مجالها، كما يمكن أن يؤدّي ذلك إلى معضلة: هل نجرّب شيئًا جديدًا، وغير مثبتٍ، ويفتقر إلى البحوث الموثقة؟ في بعض الأحيان، يجب أن نتجاهل نجاحاتنا السّابقة، وأبحاثنا، لننفتح على إمكانات جديدة للنجاح، والفشل.

تشتمل عقلية ريادة الأعمال على الإبداع، ومهارات حلّ المشكلات، والتوجه نحو الابتكار. فالانفتاح هو إحدى السّمات التي تدعم الإبداع، وحلّ المشكلات، والابتكار.

تخصيص وقت لاستكشاف أفكار جديدة، والحلم، والتفكير، ورؤية المواقف من منظورٍ جديد…؛ تساهم جميعها في صياغة عقليّة ريادة الأعمال، ويمكن أن تؤدّي بعض الابتكارات إلى اضطرابات داخل مجال ما، أو حتى انبثاق مجال جديدٍ كليًّا.

قدّم كلايتون كريستنسن معضلة المبتكر لشرح التقنية المخرّبة، والّتي هي عبارة عن تقنيات تحلّ -بمجرّد إدخالها- محلّ الأنماط، والعمليّات، والأنظمة المعمول بها، والّتي جرى اعتمادها مسبقًا، كوضع معتادٍ، أو مقبولٍ.

أحد الأمثلة على التّقنية المخرّبة؛ شركة Airbnb، وهي شركة تهدد صناعة الفنادق الرّاسخة، من خلال ربط المصادر الشّخصيّة بالأشخاص الذين يرغبون في تلك المصادر، إذا كان لديك غرفة نوم احتياطية، لا تستخدمها، فلماذا لا تبع هذه المساحة لشخص يريد، أو يحتاج إلى المساحة؟

أصبحت Airbnb تهديدًا كبيرًا لنموذج الأعمال المتّبع في مجال الفنادق، القائم على بناء فنادق كبيرة، وتأجير غرف داخل تلك الفنادق لعملائها، لقد أعادت Airbnb تشكيل هذا النموذج، ومنذ إطلاقها عام 2008، استفاد 150 مليون مسافر من 3 ملايين عرض على Airbnb في أكثر من 191 دولة، جمعت خلالها Airbnb أكثر من 3 مليارات دولار (بالإضافة إلى خط ائتمان بقيمة مليار دولار)، وتفكّر في بيع الأسهم لدعم التوسّع الكبير، إذ تبلغ قيمة Airbnb حوالي 30 مليار دولار.

وازن بين هذه القيمة السوقية، وبين رأسمال فنادق هيلتون البالغة 19 مليار دولار، وماريوت البالغة 35 مليار دولار، إذا كنت الرئيس التنفيذي لشركة هيلتون، أو ماريوت، فهل أنت قلق؟ لقد أدركت صناعة الفنادق أنّ Airbnb تمثل تهديدًا حقيقيًّا لها؟ وفي عام 2016، بدأت حملة لتشريع قانون يكبح نمو Airbnb وخفض شعبيته،.فمن وجهة نظر صناعة الفنادق، لا تعمل Airbnb بنفس القواعد، وهذا هو تعريف التقنية المخرّبة: التّركيز على إنشاء فكرة، أو عملية جديدة تُبطل، أو تتحدى العمليّات، أو المنتجات القائمة[.

تنتج التقنيات المخرّبة في بعض الأحيان عن عدم الاستماع إلى الزّبائن، إذ لا يعرف الزّبائن دائمًا ما يريدون، وقد يحتاج فريق رواد الأعمال إلى تقديم نماذج أفضل لإعادة تعريف مجموعات الزّبائن، ومعرفة متى يجب الاستثمار في تطوير منتجات منخفضة الأداء؛ تَعِدُ بهوامشَ أقل، بينما لا تزال تفي بالحاجة، ومعرفة متى يجب متابعة الأسواق الصغيرة على حساب أكبر الأسواق رسوخًا. في الأساس، تنتج التّقنيات المخرّبة من خلال تحديد عمليات، ومنتجات جديدة، وقيّمة.

أدرك مؤسّسو Airbnb أن بعض الأشخاص لديهم موارد غير مستخدمة، وغرف نوم يحتاجها الآخرون. ويمكننا تطبيق هذه الفكرة على الموارد الأخرى غير المستخدمة مثل: السيّارات، والمنازل، ونرى هذا النموذج مستنسخًا في برامج تأجير السيارات، ومشاركة الدرّاجات على المدى القصير.

ترجمة -وبتصرف- للفصل (The Entrepreneurial Perspective) من كتاب Entrepreneurship

المصدر: أكاديمية حاسوب

شارك المقال مع أصدقائك على السوشيال ميديا

م. أحمد السيد

قائد الفريق و مدير المشروعات

برنامج إدارة العيادات الطبية

تطبيق موبايل إدارة الإستشارات الطبية الأونلاين

انتقل إلى أعلى